أبي حيان التوحيدي

10

الإمتاع والمؤانسة

وإيضاحا للمشكل ، مع تأله وتنزه ودين ويقين ، وفصاحة وفقاهة وعفافة ونظافة » . وقد كان للرماني باع طويل كذلك في التفسير على طريقة المعتزلة ، إذ وضع تفسيرا للقرآن ، بلغ من قيمته أن قال الصاحب بن عباد ردا على من اقترح عليه أن يصنف تفسيرا : « وهل ترك علي بن عيسى الرماني شيئا ؟ » . وقرأ التوحيدي على أبي محمد جعفر الخلدي المتصوف الزاهد ، وأبي الحسين ابن سمعون المتوفى سنة 387 ه الذي وصف بأنه وحيد عصره في الكلام على الخواطر وحسن الوعظ وحلاوة الإشارة ولطف العبارة ، وهو الذي وصفه ابن الجوزي ب « الناطق بالحكمة » ، بالإضافة إلى العامري الفيلسوف ، والنوشجاني ، وأبي الخير اليهودي ، وجماعة من مشايخ النصارى الذين كانوا متحرين بالفلسفة ومحبين لأهلها ، وأبي الوفاء المهندس المتوفى سنة 376 ه . مهنته وثقافته ومؤلفاته : لجأ أبو حيان منذ مطلع شبابه إلى مهنة الوراقة ، حيث كان ينصرف إلى نسخ الكتب لقاء أجر زهيد ، وظل صيته مغمورا لا يبارح دكاكين الوراقين ، فلم يحفل به أحد ، ولم ينتشر أمره بين مثقفي وأدباء عصره ، إذ كان يصل الليل بالنهار في مهنته دون أن يعلم أحد شيئا عن ظروف حياته العائلية والاجتماعية والإنسانية ، حتى صمم أخيرا سنة 350 ه وهو على أبواب الأربعين ، على وجه التقريب ، على الخروج من عالمه والنظر إلى ما حوله في عصر زهت فيه معظم العلوم والمعارف . والحقيقة تقال انه كان لمهنة الوراقة أثر بارز وأساسي على ثقافة أبي حيان ، فقد أفسحت له في المجال أمام قراءة شتى أنواع الكتب وأشكالها فقويت حافظته وتوقد ذهنه واستعت مداركه وتنوعت ثقافته ، مما جعله يشعر بنهم كبير إلى العلم فطفق يغزو مجالس العلماء والأدباء والمفكرين ويحضر حلقات التدريس عندهم . إن نظرة سريعة على أساتذة أبي حيان ترينا أسباب نبوغه ، وتنوع معلوماته ، وهو إلى جانب ذلك كان شغوفا بكل علم متتبعا كل ثقافة ، حتى غدا موسوعيا واسع الأفق خصب الخيال فيلسوفا مع الفلاسفة ، متكلما مع المتكلمين ، لغويا مع اللغويين ومتصوفا مع المتصوفين ، ثم إنه فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة ، محقق الكلام ومتكلم المحققين وإمام البلغاء ، فرد الدنيا الذي لا نظير له ذكاء وفطنة وفصاحة ، كثير التحصيل للعلوم واسع الدراية والرواية . لذلك كان من الطبيعي أن تكثر مؤلفاته وتتنوع موضوعاتها ، علاقته مع الحكام : « 1 » ننتقل من « عهد الطلب » إلى « عهد التنقل » ، قام أبو حيان بمحاولات عديدة

--> ( 1 ) أبو حيان التوحيدي أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء ، للدكتور زكريا إبراهيم ، ص 42 - 62 .